منذ سنین متمادیة طُرحت قم باعتبارها مركزاً علمیاً وثقافیاً فی عالم التشیع، ویعود هذا الى نزول مراجع التقلید وعلماء الدین فیها والى وجود حلقات الدروس الحوزویة على المستویات العالیة، وحیث ان طلاب العلوم الدینیة یتصدون أثناء دراستهم الى التألیف والتحقیق فان ذلك أدّى الى نشوء الدراسة على المستویات المتوسطة بل حتى المراحل الأولیة فی هذه المدینة.
ولقد ذكر الأئمة المعصومون (علیهم السلام) ما سیحصل فی حوزة قم من مكانة علمیة مرموقة، حیث ذكر الامام الصادق (علیه السلام) أنه یأتی زمان ینتشر فیه العلم من قم الى سائر المدن شرقاً وغرباً حیث تصیر قم اُسوة وحجة على سائر المدن ولایبقى أحد على وجه الارض الاّ وینتفع بعلمها، وذلك فی زمان ظهور صاحب الزمان(عج) (بحار الانوار 60/213).
ویحسن بنا أن نشیر هنا إشارة اجمالیة إلى تاریخ هذه الحوزة المقدسة:
یبدو ان النشاطات العلمیة والدینیة فی مدینة قم تعود الى زمان قدوم الأشعریین الیها، ویظهر ان الحجر الاساس للمسائل العلمیة والدینیة وضعه العالم والفقیه والمحدث الشهیر «عبدالله بن سعد الاشعری» ثم تطور بواسطة علماء كبار، منهم: ابراهیم بن هاشم القمی «ابن بابویه» وزكریا بن آدم وأحمد بن اسحاق (رضی الله عنه) وغیرهم من اصحاب الائمة المعصومین (علیهم السلام) .
وأخذ ـ فی هذا المركز الشیعی أیضاً ـ ینمو سوق العلم والادب ونقل الحدیث حتى اصبح من المشهور ان منقولات رجال الحدیث فی قم هی محل لإمضاء الائمة المعصومین (علیهم السلام) . مقابل ذلك فان علماء قم أیضاً لم یكونوا یوثّقون الناقلین للتاریخ والحدیث بسهولة وانما كانوا یتحرّون الدقة التامة فی ذلك حتى انهم كانوا یخرجون من المدینة كلّ من ینقل عن الضعاف أو یتساهل فی نقل الحدیث.
وبعد مرور سنین متمادیة حصل توجه أكبر نحو هذه المدینة.
ـ لاسیما مع وجود العالم الحكیم والعظیم المرحوم المیرزا القمی (رضی الله عنه) ـ من قبل الحكومة القاجاریة وملوكها. ومما زاد فی مكانة قم العلمیة هجرة المرحوم الملا صدرا الفیلسوف الكبیر والحكیم المتأله من شیراز واستقراره فی منطقة كهك من توابع قم. وكذلك فان استقرار الحكیم المشهور المرحوم الفیض الكاشانی (رضی الله عنه) فیها وتأسیسه المدرسة الفیضیة المباركة بجوار الحرم المطهر للسیدة فاطمة المعصومة (علیها السلام) دلیل على النمو الفكری لأهلها ورغبة طلاب العلوم الدینیة بهذه المدینة المقدسة.
وفی أواخر العهد القاجاری وبدایة العصر البهلوی أصبحت الحوزة العلمیة المقدسة فی النجف الاشرف بما حصل لها من توسع وازدهار مركزاً لتجمع العلماء والفقهاء. وحصل انعطاف واضح نحوها وتبعاً لذلك حصل بعض الفتور فی الحوزة العلمیة بقم. وقد بذل طلاب العلم والعلماء والساكنون فی مدینة قم سعیاً حثیثاً فی حمل لواء العلم والفضیلة مع انهم بعیدون
عن مركز العلم (الحوزة العلمیة فی النجف الاشرف) بما یحملونه من رصید علمی ممتزجاً ذلك بالشعور الوطنی أو من باب الاحساس بالتكلیف. ومع هجرة المرحوم آیة الله العظمى الحاج الشیخ عبدالكریم الحائری الیزدی (رضی الله عنه) سنة 1315 هـ من أراك الى قم وتأسیس حلقات الدروس الحوزویة فقد سرت فیها روح جدیدة.
كان إنشاء مدرسة دار الشفاء بجوار المدرسة الفیضیة دلیل الازدهار الفكری والرغبة فی طلب العلوم الدینیة فی هذه المدینة المقدسة، وصار منذ تلك الفترة یُشار الى الحوزة العلمیة بقم الى جانب الحوزة العلمیة فی النجف. وبعد وفاة المرحوم الحاج الشیخ عبدالكریم الحائری (رضی الله عنه) اُصیبت هذه الحوزة مرة اُخرى بفترة من الجمود والفتور الاّ ان ذلك لم یدم طویلا حیث قام علماء ثلاثة وهم: المرحوم آیة الله حجت (رضی الله عنه) والمرحوم آیة الله السید محمد تقی الخونساری (رضی الله عنه) والمرحوم آیة الصدر، بحمل لواء العلم یداً بید حتى انقضت تلك الفترة بصعوباتها. وبعد هجرة آیة الله العظمى الحاج حسین الطباطبائی البروجردی (اعلى الله مقامه) سنة 1322 الى قم وقیامه بالتدریس فیها وازدیاد حلقات الدرس من قبل العلماء والفضلاء، وتنوّع النشاطات الثقافیة والاجتماعیة من جهة، ووفاة المرحوم آیة الله العظمى الحاج السید ابوالحسن الاصفهانی (رضی الله عنه) (فی النجف الاشرف) وانتقال المرجعیة العامة للشیعة الى آیة الله العظمى البروجردی (رضی الله عنه) والاقبال العام لدى الطلاب للرجوع الى وطنهم والاستفادة من هذا العالم الجلیل من جهة اخرى، فان حوزة قم بدأت تستعید منزلتها حتى وصلت الى أوجها. وصارت حوزة قم المقدسة منذ ذلك الوقت فما بعد الى جانب حوزة النجف وفی عرضها، هذا وقد حصلت تقلبات اخرى بعد وفاة آیة الله البروجردی (رضی الله عنه) الى ما قبل انتصار الثورة الاسلامیة مما أدّى الى حصول هجرة نسبیة مجدّدا من قبل الطلاب الى حوزة النجف لاسیما وان سیاسة النظام البهلوی اشتدت ضد حوزة قم المقدسة.
ومع بدایة نهضة الامام الخمینی فی خرداد سنة 1341 والانتفاضة الباسلة
لطلاب قم وعلمائها وقمعها بعنف من قبل السلطة فانّ جوّاً من السكوت المعبّر ساد حوزة قم سوى بعض الحركات الاعتراضیة الخفیة. وقد كان العلماء الاعلام ـ الامام الخمینی والسید الگلبایگانی والشیخ الآراكی وآخرون غیرهم ـ یحملون لواء قیادة الحوزة.
ومنذ سنة 1357، حین انتصرت الثورة الاسلامیة فی ایران بقیادة الامام الخمینی (رضی الله عنه) وابتداء الحرب المفروضة التی شنّها النظام الحاكم فی العراق ضد ایران والممارسات الارهابیة ضد حوزة النجف المقدسة من قتل وتعذیب وتهجیر أصبحت مدینة قم ملجأً للعلماء والفضلاء، وصارت ببركات السیدة فاطمة المعصومة (علیها السلام) مجمعاً للمراجع والآیات العظام والفقهاء والمجتهدین. وبحمد الله فانه یوجد الآن آلاف الطلاب فی هذه الحوزة العلمیة المقدسة والتی تحظى بالعنایة والاهتمام من قبل المراجع العظام. وتقوم الادارة المركزیة فی هذه الحوزة باعداد البرامج الدراسیة المناسبة وتطویرها وتأسیس الدورات التخصصیة العالیة فیها.
ویوجد فی انحاء متفرقة من مدینة قم مدارس علمیة یصل عددها الى 50 مدرسة.