لم تكن قصة الكرامة، و الأعجاز، و الخوارق من القضایا الخاصة بالشیعة الامامیة، و انما هو موضوع سائد، و مطرد، عند جمیع الأدیان و الفرق و الملل تصدر عن صالحى أتباعها... فاتخذها المسیحیون من علامات و سمات، تأیید روح القدس لمن تصدر على أیدیه كرامة... و أمر المسیح اتباعه بنشر دینه، و دعوته و بشرهم بحدوث خوارق على أیدیهم تؤید رسالتهم، حتى جعل ذلك علامة لهم، تمیزهم عن كذبة الدعاة الذین یلتحقون بدینه و لیسوا منه فى شىء .
اما المسلمون فانهم مع تقدیرهم، و مبالغتهم للخوارق و الكرامات فانهم لم یجعلوا، و لم یتخذوها أساسا و قاعدة لدعوة داع لان دین الاسلام أقام للمسلمین من العقل فاروقا بین الحق و الباطل فما حكم به العقل بعد اجهاد النظر، و انعام التأمل فهو الحق و ما نبذه العقل بعد بذل الغایة فى تمحیصه فهو باطل، و إن أیده من الخوارق ما لا مزید علیه... و لم تكن نظرتهم للكرامات و الخوارق و اكبارهم لها الا من جهة الحكم على الافراد، و الاشخاص بدرجات القرب و التقرب من الله تعالى، و التوجه الى الله سبحانه.
ان الكرامات او الخوارق بعبارة اخرى لم تكن فى نظرنا من القضایا الممكنة فحسب، بل هى من الامور الضروریة الملازمة لبعض الحالات العالیة التى تكون علیها الروح البشریة إثر الطاعة و العبادة، و الاخلاص، و التسلیم، و التوكل على الله... لأن الروح المستودعة المسكونة فى داخل هذا الجثمان الكثیف نفحة من نفحات الحق... و اشعة من أنوار الحقیقة ستر جلالها، و روعتها الجسد فمن اهتدى الیها، و عرفها، و فتح فى قلبه نافذة یطل منها علیها انبعثت علیه من نورها ما یجعله روحا صرفا، و روحانیة محضة و حقیقة خالصة تصدر على یدیه من الله امور خارقة للعادة و كرامة غریبة لان للروح، حكومة و سیطرة لاحد لها و لا حدود على المادیات... و من المستحیل، و غیر الممكن أن تشرق الروح على شخص و لا تصدر الكرامات على یدیه.
و لیس معنى هذا إن الذى یحدث فى جلسات تحضیر الأرواح من الخوارق داخل فى هذا الأطار المعنوی و یمكن التعبیر عنه بالكرامات... بل الكرامة فى مفهومنا و نظرنا ما یتأتى على اثر التقرب الى الله تعالى، بالأعمال الصالحة و الطاعات و العبادات الخالصة، و الإخلاص الذى هو مقام من مقامات الموقنین، و توفیق الوصول الیه من الله الأكبر، و الیه اشار النبى الاعظم(ص) بقوله (ما من عبد یخلص العمل لله تعالى اربعین یوما الا ظهرت ینابیع الحكمة من قلبه على لسانه) فكیف بالذریة الطاهرة الذین اخلصوا لله سبحانه طوال عمرهم، و فى كافة لحظات حیاتهم فلا بد أن یمنحهم الله و یأتیهم، ما لم یؤت أحدا من العالمین طاطا كل شریف لشرفهم و بخع كل متكبر لطاعتهم، و خضع كل جبار لفضلهم، و ذل كل شىء لهم، و اشرقت الأرض بنورهم، و فاز الفائزون بولایتهم، بهم یسلك الى الرضوان، و على من جحد ولایتهم غضب الرحمن.
و قال الإمام امیر المؤمنین علیه السلام: (طوبى لمن اخلص لله العبادة و الدعاء، و لم یشغل قلبه بما ترى عیناه، و لم ینس ذكر الله بما تسمع اذناه، و لم یحزن صدره بما أعطس غیره) (1) .
ففى هذا الكلام دلیل على ان الاخلاص رأس الفضائل، و رئیسها و هو المناط فى قبول الأعمال، و صحتها، و لا عبرة بعمل لا اخلاص فیه و الحصول علیه لا یتوفر و لا یمكن بسهولة و انما هو بتوفیق من الله، تطلبه منه بالعبودیة:
و اذا حلت الهدایة قلبا
نشطت للعبادة الأعضاء
و الى هذا، اشار الإمام الصادق علیه السلام فى قوله، لتفسیر الآیة الكریمة (لیبلوكم أیكم أحسن عملا) (2) قال الإمام(ع): لیس یعنى اكثركم عملا، و لكن اصوبكم عملا و انما الاصابة خشیة الله و النیة الصادقة ـ ثم قال: الإخلاص بجمع فواضل الأعمال، و هو معنى مفتاحه القبول، و توفیقه الرضا فمن تقبل الله منه، و رضى عنه فهو المخلص و ان قل عمله، و من لا یتقبل الله منه فلیس بمخلص و ان كثر عمله، اعتبارا بآدم علیه السلام و ابلیس (3) .
و علامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل المحاب مع اصابة علم كل حركة و سكون، و المخلص ذائب روحه، باذل مهجته، فى تقویم ما به العلم، و الأعمال، و العامل، و المعمول بالعمل، لانه اذا أدرك ذلك فقد أدرك ذلك الكل، و ذا فاته تلك فاته الكل و هو تصفیة معانى التنزیه فى التوحید.
ان العبودیة و الإندفاع، و الانصراف الكامل، الى الله و اطاعته و افناء الجسد فى مرضاته هى الباعثة بالعقیلة فاطمة... و من على شاكلتها، من بنات أولاد الائمة علیهم السلام الى المنزلة الرفیعة التى تجدها علیها الیوم، و منذ وفاتها فلا غرابة اذا كانت ذات كرامات و خوارق فتبرىء الاكمه و الأبرص باذن ربها... و لا تخیب من امها و رجاها و أتاها.. . و لا ترد من قصدها، و سألها... و لا تصرف أحدا عن روضتها الا مع قضاء حوائجه و كفایة مهماته... و هذا هو المفهوم، و المصداق الخارجى، للحدیث القدسى الوارد عن الله سبحانه (عبدى أطعنى، تكن مثلى (أو مثلى) اذا قلت لشىء كن فیكون) مع الیقین، و الاعتقاد الصادق انهم أحیاء عند ربهم یرزقون یرون مكاننا، و یسمعون كلامنا، و یردون جوابنا، و لا یخفى علیهم شىء من أمرنا.
هذا و قد ذكر بعض المراجع على صفحاته كرامات للسیدة العقیلة فاطمة... بالاضافة الى الكثیر من الخوارق التی تتناقلها الأفواه و تتداولها نقلة الأخبار، و هى سائدة و سائرة بین طبقات الفقهاء، و العلماء، و الأدباء، بحیث لا یمكن حصرها فى مجلدات اذا حاولنا تدوینها، و جمعها غیر اننا نكتفى بنقل بعض منها:
قال المحدث القمى الشیخ عباس بن محمد رضا المتوفى 1359 ه. فى كتابه (الفوائد الرضویة) عند ترجمته للحكیم المتأله المولى صدر الدین محمد بن ابراهیم المتوفى 1050 ه. ما ترجمته للعربیة:
و اعلم ان بعضا من مشایخى حدثنى ان المرحوم الملا صدرا الشیرازى على أثر حوادث عصیبة و قضایا مریرة انتابته فى وقته مما اضطرته الى ترك موطنه شیراز، و یشد الرحال الى ضواحی دار الإیمان (قم) التى تعتبر عش آل محمد، و حرم العترة الطاهرة علیهم السلام، حسبما جاء فى الحدیث (اذا عمت البلدان الفتن و البلایا، فعلیكم بقم و حوالیها فان البلایا مدفوع عنها) (4) ، فاستوطن احدى قرى قم المسماة (كهك) بینها و بین قم اربعة فراسخ، فكان الشیخ فى بعض الأحایین التى تعتریه مسائل علمیة عویصة و قضایا فلسفیة مبهمة یقصد قبر العقیلة الجلیلة فاطمة بنت موسى بن جعفر سلام الله علیها، و یستلهم منها حل مشاكله العلمیة و الفلسفیة، ثم یعود الى مقره.
و لیس هذا بغریب فقد قال الفاضل الاشكورى (5) فى كتابه (محبوب القلوب) فى ترجمة خاتم الحكماء الیونانیین ارسطاطالیس... ان أرسطو بعد أن وافاه الموت فى مدینة اسطاغیرا اجتمع أهلها بعده و جمعوا عظامه البالیة، و أودعوها فى آنیة من نحاس ثم دفنوها فى جهة من نادیهم الذى كانوا یجتمعون فیه للمذاكرة و المشورة و تبادل الآراء و حل قضایاهم، الاجتماعیة، و الفردیة و كذلك العلمیة، فكانوا یجتمعون، و یشتغلون بالبحث و المناظرة الى أن یقفوا على الصحیح، و الصواب و الاعتقاد بما هو المصیب .
و كانوا على یقین و اعتقاد راسخ، ان الحضور على قبر ارسطاطالیس لیس بضیف الى عقولهم و ذكائهم، و یغسل اذهانهم و یهذبها من ادران الخطأ و الریب، و یفتح لعقولهم آفاق من المعرفة و الصواب و النمو و یهب الیها الفهم و الادراك... و هذا ما كانت علیه حكماء الیونان من الاعتقاد بالعظام البالیة بالنسبة الى ارسوطالیس.
فلیس بغریب اذن اذا وجدنا الحكیم المتأله و الفیلسوف الفقیه الإسلامی یقصد زیارة سیدتنا فاطمة من اربعة فراسخ و یأوى الى مرقدها الطاهر المزدهر بالفیوضات الربانیة و التجلیات السبحانیة، لیقف فى خلالها على امهات المطالب العلمیة و یفاض علیه من خزائن العلوم الالهیة، ما یكشف به مشكلته الفكریة التى لم یتوصل الیها الا بعد التوسل، و اللجوء الى ملاذ، و حرم هذه السیدة الكریمة (6) .
و للشعراء، و العلماء و الادباء قصاید، و أبیات، و مقاطیع رائعة شعریة فى زیارة العقیلة فاطمة... و مدحها، و تبیان حالتها و الحث على زیارتها، و ان لا بد على الوافد لبلدة (قم) من لثم أعتاب روضتها المقدسة و التضرع الى الله تعالى... و ان دواوین الشعراء الفارسیة زاخرة بقصایدهم، و منهم السید قوام الدین محمد السیفى الحسینى، القزوینى، المتوفى 1150 ه. و كان عالما، ادیبا، فاضلا له نظم و شعر كثیر باللغتین الفارسیة و العربیة، و له مهارة خاصة فى نظم التواریخ، و الأراجیز، و من شعره فى وصف بلدة قم، قال:
یا وارد هذا البلد الطیب قم
فیه بوظائف العبودیة قم
قم من أدب لحضرة المعصومة
بالجفن فناء ذلك المشهد قم (7)
الهوامش:
1) جامع السعادات 2/ .405
2) سورة هود /.7 سورة الملك / .2
3) جامع السعادات 2/.405 تفسیر البرهان 2/ .207
4) سفینة البحار 2/ .445
5) قطب الدین محمد بن الشیخ على الشریف بن المولى عبد الوهاب بن پیله اللاهیجى الاشكورى تلمیذ المحقق الداماد. الذریعة 20/ .141
6) الفوائد الرضویة / .379
7) دره نادره /.715 الذریعة 9/2/487 و 7/ .225
المصدر: فاطمة بنت الامام الموسى الكاظم.
المؤلف: الدكتر الشیخ محمد هادى الأمینى