منبع:www.masoumeh.com
تشیر الشواهد التاریخیة الى انّ مدینة قم كانت موجودة قبل ظهور الاسلام وكانت من مدن ایران العامرة. وقد نسب بناؤها الى تهمورث أحد ملوك البیشدادیة، وفی مقابل ذلك یرى الكثیر من المؤرخین انها مدینة حدیثة البناء وانهامن آثار القرن الأول الهجری.
إن اقدم مصدر اعتبر قم من المدن الاسلامیة المستحدثة هو كتاب «سفرنامه» المنسوب الى أبی دلف.
وكانت تسمّى قدیماً «براوستان» ومنطقة الأریاف حولها «كمیدان» ومركزها «كم».
وفی القرن الاول من الاسلام أیضاً كانت مدینة تعرف باسم (كم) وكانت تعدّ من توابع أصفهان.
وقد فتحها المسلمون سنة 23 هـ وانتشر الاسلام فیها بحیث ان اهلها مالوا الى المذهب الشیعی بشكل سریع.
جاء الأشعریون الى قم سنة 94 هـ وبذلوا جهداً كبیراً فی إعمارها وامتنعوا عن دفع الخراج لخلفاء ذلك العهد منذ سنة 142 هـ وصارت قم منذ ذلك التاریخ تتمتع بشبه حكم ذاتی فی الحكومة الإسلامیة. وفی سنة 189 هـ انفصلت قم عن اصفهان وصارت مدینة مستقلة وأصبحت موطناً لتربیة العلماء والفقهاء الشیعة. وبعد أن ، دُفنت فیها معصومة (علیها السلام) صار لها رونقاً كبیراً، وأصبحت ملجأ لمحبّی أهل البیت (علیهم السلام) والشیعة، ومنذ ذلك الوقت أخد اهل قم تدریجیاً یقرّبون منازلهم من مرقد معصومة (علیها السلام) لیحظوا بزیارة قبرها.
وكذا فان علماء كثیرین نشأوا بجوار كریمة أهل البیت (علیها السلام) وتصدّوا لنشر الاسلام.
وكانت قم على مدى قرون وأعصار قد تعرّضت لهجمات مدمرة مرات عدیدة وقتل اهلها قتلاً عاماً. واستمر هذا الظلم فی القرن الأخیر على ید رضاخان
وابنه، حتى بدأت النهضة الاسلامیة بقیادة الامام الخمینی (رضی الله عنه) فنفخ فیها روحاً جدیدة وتبدّلت هذه المدینة الى مركز مهم من المراكز الاساسیة للثورة الاسلامیة. وسجّلت انتفاضة أهل قم فی 19 دی سنة 1357 هجری شمسی موقفاً مشرّفاً لاینساه التاریخ، وقد كان لهذه المدینة دور متمیز أیضاً فی الدفاع المقدس ابّان الحرب التی شنّها النظام الصدّامی حیث قدّمت 5200 شهید و7600 معوّق. وهی الآن وفی ظل قیادة آیة الله الخامنئی (دام ظله) ـ على ما عهدناها سابقاً ـ سوف لن تقف مكتوفة الأیدی بل ستقف بإحكام وثبات أمام الغزو الثقافی الوافد.
وبفضل اللطف الالهی فانها ستكون الممهّدة لظهور منقذ البشریة صاحب الزمان (عج) انشاء الله تعالى
نبذة عن تاریخ مدینة قم
یقول البعض ان «قم» مدینة قدیمة تاریخیة مستدلاً بالشواهد والقرائن، ومن هؤلاء: «زعفران القمی» فی كتاب عن الساسانیین، وكذلك فقد ورد اسم قم فی «شاهنامه» فردوسی، ضمن بیان حوادث سنة 32 هـ.
وفی الوثائق التاریخیة والتقاریر التی تتحدث عن الفتح الاسلامی لإیران فان قم سمیّت باسم (شق ثیمرة).
وبناء على هذا فان مدینة قم مثل مدن النجف وكربلاء ومشهد من المدن التی ظهرت بعد الاسلام والتی ینبغی البحث فیها من النواحی الدینیة السیاسیة.
تاریخ صراع القمیین مع الظالمین:
لقد كان اهل قم ـ على الدوام ـ یرفضون الظالمین فی زمانهم. فكانوا یثورون ضدّهم بین آونة واخرى ویمتنعون عن دفع الضرائب التی تُجبى لصالح الحكومة المركزیة. وبعد شهاده الامام الرضا (علیه السلام) سنة 203 هـ واطلاع اهل قم على جریمة المأمون اعلنوا التمرد ضد الحكم العباسی وعبّروا بوسائل مختلفة عن اعتراضاتهم فی هذا المجال. واستمرت هذه الثورة الشاملة مایقارب عشر سنوات حتى هجم جنود الحكومة بقیادة «علی بن هشام» على المدینة وقتلوا عدداً من قادة ووجهاء المدینة وعلى رأسهم «یحیى بن عمران» قائد القمیین فی تلك النهضة الشعبیة وهدّموا شطراً من المدینة وأخذوا الضرائب المستحقة من أهلها. ثم قام اهل المدینة باعمارها تدریجیاً وبقی الوضع مستقراً حتى سنة 216 هـ.
وفی تلك السنة التی صادفت خلافة المعتصم هجم الناس على دار الحكومة فی قم وطردوا عامل الحكومة (الطلحی) منها ورفعوا لواء المعارضة.
ثم قام المعتصم بتحریض من «الطلحی» بإرسال جیش بقیادة «وصیف التركی» للقضاء على الاهالی، فدخل المدینة بطریق الحیلة وأغار على اهلها وأحرق بیوت قادة الثورة وأتلف المزارع فأحال المدینة الى تلٍّ من التراب.
الاّ ان جمیع هذه الحوادث لم تؤثر فی القمیین الاّ بازدیاد غضبهم الشعبی. اختیر اخیراً ـ بعد هذه الحوادث والمواجهات ـ «محمد بن عیسى بادغیسى» لمنصب حاكم المدینة وقد كان انساناً حسن الخلق فاستطاع أن یكسب رضا أهلها وبذر بذور المودّة بینهم فبقیت المدینة مصانة من الاحداث الدمویة حتى سنة 245 هـ.
واخیراً وفی زمان خلافة المتوكل ـ الذی كان متفرعناً ولایعیر للمقدسات الاسلامیة وعلماء المسلمین أهمیة ـ توجّه أهالی المدینة نحو علمائهم معترضین على هذه الاهانات التی لحقت بالمقدّسات مستغلّین فرصة وجود المعارضة الموجودة للحكم العباسی التی كان یقودها السید العلوی حسین الكوكبی فقاموا بتشكیل دولة شیعیة مصغّرة وخلعوا عمّال الخلیفة. ودامت هذه الحكومة ثلاث سنوات. وفی النهایة أمر المعتمد العباسی حاكم «بلاد جبل» بالانقضاض على هذه الدولة العلویة والقضاء على نهضة القمیین، ففعل ذلك حیث أسقط حكومة حسین الكوكبی وهجم على أهالی المدینة وقتل زعماءهم وسجن البعض منهم فظلّوا یعانون الظلم والقهر حتى استجاروا بالامام الحسن العسكری (علیه السلام) وشكوا الیه مظالمهم فعلّمهم دعاءً یقرؤونه فی صلاة اللیل للخلاص من هذا الشر العظیم. ولم تفلح جمیع الحملات الدمویة فی إخماد الثورة، ولذا فان القمیین وبمجرد حصول المواجهة بین المعتمد ویعقوب اللیثی فی سنة 263 هـ وضعف القوات المهاجمة ثاروا ضد الحكومة مجدداً. وقد استمرت هذه الثورة بین مدّ وجزر حتى نصب «یحیى بن اسحاق» ـ الذی كان شیعیاً ـ حاكماً على المدینة فی زمان المعتضد العباسی. وحیث كان یحیى یتمتع بحنكة وتجربة فانه حاول أن یمتص الحقد والبغض الذی یعتمل فی قلوب القمیین واستطاع ان یمنع قیام الثورات والانتفاضات. وقد نجح مسعاه هذا ونعمت المدینة بالاستقرار النسبی فتمكن من القیام ببعض الاجراءات الأساسیة فی المدینة ومن جملتها: إطفاء آخر موقعیة لنار المجوس فی المدینة وبناء مأذنة ومنارة عظیمة بجانب مسجد «ابو الصدیم الاشعری» بحیث صار صوت الأذان یصل الى كل ارجاء المدینة.
مدینة قم عند وصول السیدة المعصومة الیها:
ذُكر ان شهرة تشیّع مدینة قم فی ذلك الزمان كان قد وصل الى المدینة المنوّرة وان السیدة المعصومة (علیها السلام) كانت على علم بذلك. ولذلك فانها لما وصلت الى ساوة ومرضت سألت عن المسافة التی تفصلها عن قم، ثم أمرت أن ینقلوها الیها.
وكان القمیون آنذاك متمردین على خلفاء زمانهم وقد تحملوا بسبب ذلك الكثیر من التضحیات، وقد كان ذلك العصیان والتمرد یشتد كلما عُیّن لها حاكم غیر شیعی.
وبحسب الوثائق الموجودة فان اهل قم كانوا یرفضون كل قاض ووال لایتمذهب بمذهبهم، حتى انهم فی زمان الشاه اسماعیل الصفوی حیث كان السلطان مراد العثمانی قد سیطر على ایران لمدة معینة وجعل شخصاً اسمه «اسلمس بیك» حاكماً على قم، فان هذا الحاكم ونتیجة لمخالفة اهالی المدینة قَبِل المذهب الشیعی ونقش كلمة (یا علی) على صدره.
ویذكر البلاذری ان اهم قم كانوا قد تمردوا فی زمن المأمون وامتنعوا من دفع الخراج. فأرسل المأمون علی بن هشام المروزی وأمدّه بجیش لیحارب القمیین، فقتل یحیى بن عمران الذی كان حاكماً على قم ودمّر المدینة وقرر مضاعفة الخراج علیها ثلاثة اضعاف (ملیونا درهم الى ستة ملایین درهم). وقد أورد ابن الأثیر أیضاً هذه الحوادث ضمن وقائع سنة 210.
وبعد أربعین سنة وفی زمان المعتز العباسی ابن المتوكل أعلن القمیون عصیانهم فهاجمهم موسى بن بغا عامل بلاد الجبل (وهی مایسمى عراق العجم والتی تعدّ قم جزءً منه) فقتل منهم جمعاً كثیراً ونفى عدداً آخر منهم بأمر المعتز.
ویذكر الیعقوبی ان وضع مدینة قم بعد خمسین سنة من قدوم المعصومة (علیها السلام) الیها انها كانت تتكون من قسمین رئیسیین (فی حین انها كانت تتكون من سبعة اقسام حین قدوم فاطمة (علیها السلام) الیها) وكان هناك نهر یمرّ بین هذین
القسمین (والیوم فان النهر قد انقسم الى فرعین) وكانت الجسور الحجریة تربط بین هذین القسمین. القسم الاكبر الذی كان یسمى (منیجان قلعة) والذی كان یسكنه الایرانیون القدماء واما القسم الاصغر فاسمه كمیدان والذی كان یقع على الجانب الأیسر من النهر.
وكان اهل قم آنذاك مجموعتین: الاولى: العرب الاشعریون وآل مذحج، والاخرى: المواطنون الذین كانوا من العنصرالایرانی. وتعتبر منیجان المدینة الاصلیة فی قم ووردت فی تاریخ قم باسم بلدة «ممجان» وقد صرّح بأن ممجان هی قم نفسها. وفی موضع آخر ذكر ان كمیدان هی قصبة قم.
الامام علی بن موسى الرضا (علیه السلام) فی قم:
لم تذكر أكثر المصادر شیئاً عن مرور الامام الرضا (علیه السلام) بقم أثناء ذهابه الى مرو (بعد دعوة المأمون له) الاّ ان القرائن والوثائق تؤید بل تثبت مروره (علیه السلام) بها.
ومنها: ان هناك محلة فی قم اسمها شاه خراسان تقع فی اواسط شارع «آذر» وقد بُنیت فیها مدرسة باسم المدرسة الرضویة. ویعتقد اهل قم منذ القدیم ان الامام الرضا قد نزل فی هذه المحلة عندما ورد قم، وكذلك یوجد فی هذه المدرسة الآن بئر یشرب الناس منه ویغتسلون فیه ویتوضؤون منه. وهذا الامر قد اشتهر بینهم الى یومنا هذا.
ومن الادلة الاخرى: الروایة التی ینقلها ابن الفقیه عن امیر المؤمنین (علیه السلام) ویشیر ضمنها الى ان هناك ماءً فی قم اغتسل فیه الامام الرضا.
والدلیل الثالث ماروی فی تاریخ قم من ان هناك ماءً شرب منه الامام الرضا(علیه السلام) واغتسل فیه .
وذكر أیضاً فی تاریخ قم ان الرضا(علیه السلام) جاء الى طوس بصحبة الرجاء بن الضحاك عن طریق البصرة وفارس والاهواز (ویبدو ان الصحیح: الاهواز وفارس) الا انه لم یذكر من ای طریق جاء الى قم وكیفیة وروده الیها.
والدلیل الرابع: یذكر ابن طاووس (أحد علماء الشیعة المعروفین فی القرن السابع) كیفیة ورود الرضا (علیه السلام) الى مدینة قم فی كتابه «فرحة الغری» فیقول: «انما لم یزر الرضا (علیه السلام) مولانا امیر المؤمنین (علیه السلام) لأنه لما طلبه المأمون من خراسان توجه من المدینة الى البصرة ولم یصل الكوفة. ومنها توجه على طریق الكوفة الى بغداد ثم الى قم ودخلها وتلقاه اهلها وتخاصموا فیمن یكون ضیفه منهم فذكر ان الناقة مأمورة فمازالت حتى بركت على باب، وصاحب ذلك الباب رأى فی منامه ان الرضا (علیه السلام) یكون ضیفه فی غد فما مضى الاّ یسیر حتى صار ذلك الموضع مقاماً شامخاً وهو فی الیوم (القرن السابع) مدرسة مطروقة».
ویُحتمل قویاً ان المدرسة المذكورة هی هذه المدرسة الرضویة الموجودة حالیاً والتی تجدّد بناؤها بمرور الزمن. وتشیر جمیع هذه القرائن والادلة إلى ان الامام الرضا (علیه السلام) كان قد جاء الى مدینة قم ولعله اقام فیها لبعض الایام الاّ ان الشیخ الصدوق لم یصرح بذلك ولعل ذلك لأن المأمون كان قد أمر أن لایمر الامام (علیه السلام) بالكوفة وقم أثناء طریقه الى خراسان. یقول الصدوق بهذا الصدد: «كتب المأمون الى الرضا (علیه السلام) ان لایأتی عن طریق الكوفة وقم، ولذلك فإنه وصل الى مرو عن طریق البصرة والاهواز وفارس».
ویبدو ان المأمون كان یرید من الامام الرضا ان لایمر بالكوفة وقم حیث كانتا المركزین الاساسیین للشیعة والموالین لأهل البیت (علیهم السلام)
ولم یمر الامام بالكوفة ولذلك فانه لم یزر جدّه أمیر المؤمنین (علیه السلام) كما یذكر ابن طاووس. ولكن هل ان الامام وطبقاً لأمر المأمون لم یمر بقم أیضاً او ان الرجاء بن الضحاك الذی كان مأموراً بإشخاص الرضا (علیه السلام) من المدینة الى مرو لم یأذن له بالعبور من قم؟ نحن لانملك وثیقة ودلیلاً على ذلك.
وبناءً على هذا ونظراً لما ذكرنا سابقاً فان ورود الرضا (علیه السلام) الى قم أمر یمكن التسلیم به.
محبة القمیین لآل النبی (صلى الله علیه وآله)
لقد اشتهر عن اهل قم منذ فتح مدینتهم على ید المسلمین ودخولهم فی هذا الدین الشریف بحب اهل بیت النبی (صلى الله علیه وآله) وكانوا مثالاً كاملاً للشیعة الملتزمین والموالین لهذا المذهب، وقد أثبتوا بشتى الاسالیب مظاهر هذا الحب والولاء على مدى الف وثلاثمائة سنة.
لقد وقف القمیون فی زمان الائمة الاطهار (علیهم السلام) بما یملكون من املاك وعقار بل وحتى البیوت التی یسكنونها للائمة الاطهار وكانوا یبعثون سنویاً خمس اموالهم للائمة (علیهم السلام) ، وكانوا یكرّمون أولاد علی (علیه السلام) ویؤوونهم ویهبونهم اموالهم وأملاكهم. وكانت شهرتهم فی حب اهل البیت فی زمان الائمة قد وصلت حداً طرقت فیه مسامع المأمون ـ الخلیفة العباسی ـ وقد أشار هو نفسه الى ذلك حین كان یبین سبب تفویض ولایة العهد للرضا (علیه السلام) للریان بن الصلت حیث یقول: لا أجد أحداً یؤیدنی فی هذا الأمر (تفویض الخلافة الى آل علی (علیه السلام) )، ولقد عزمت على ان احقق شعار اهل قم بذلك.