یوسف سلامة
لو شاء المرء أن یكتب تاریخاً للترجمة لما كان تحقیق مثل هذا الأمر شیئاً میسوراً، ولربما كان إنجازه -بالمعنى العلمی الدقیق- أمراً متعذراً من حیث المبدأ. ذلك لأن تاریخ الترجمة هو، بمعنى ما تاریخ الإنسانیة ذاتها، أو هو على الأصح تاریخ مقترن باللحظة التی أدركت فیها الإنسانیة وعیها بذاتها فـ"الوعی بالذات", هو وعی "بالآخر", وعی بالاختلاف والمغایرة، وعی بآخریة یستعصی على الذات أن تبلغها مباشرة، وهو ما یكشف للذات الواعیة بذاتها عن حاجتها إلى "وساطة" بینها وبین "الآخر"، هذا "الآخر" الذی یظل مستعصیا على الفهم، على فهم الذات له، ما لم تتحقق تلك "الوساطة" المتمثلة فی نقل الآخر أو ترجمته أو تأویله، إلى شیء یمكـن لـ "الوعی بالذات" أن یتعرف على نفسه -ولو جزئیا- فیه. وهذا الوعی الآخر بدوره - الذی ینطوی على وعی مماثل بالذات- یقف عاجزا عن التعرف على "الآخر" أو التعرف على "الذات" فی "الآخر" إلا عبر تلك "الوساطة" بین هذین الوعیین اللذین یمكن النظر إلى كل منهما على أنه "وعی بذاته" وعلى أنه "آخریة" من غیر أن یستطیع هذا "الوعی المزدوج" الاهتداء إلى ذاته فی آخریته إلا عبر معجزة تقرب الوعیین من بعضهما، من غیر أن توحد فیما بینهما ولكنها تجعلهما قادرین على الدخول فی تجربة مشتركة، أو على الانخراط فی ضرب من التفاعل الخلاق، دون أن یفقد أی منهما هویته الذاتیة التی هی عین الوجود الذاتی، الذی مهما اقترب من الآخر" فإنه یظل مطابقاً لذاته داخل كل تحولاّته وتقلباته.
وأما المعجزة التی من شأنها أن تحقق "الوساطة" بین كل صور "الوعی الذاتی" و"صورة الآخریة"- فلیست إلا "الترجمة"، بالمعنى الواسع للكلمة، التی وإن كانت اللغة أرقى أشكالها وأخصبها، فإنه لا یمكن لها مع ذلك أن تعد الشكل الوحید الممكن للترجمة. فهناك الكثیر مما هو واقع فی نطاقها، من غیر أن یكون مقترنا اقترانا تاما باللغة المحكیة, والمكتوبة, والمقروءة, ومع ذلك تظل تجربة "الترجمة" مرتبطة بصورة جوهریة بفضاء اللغة, وذلك لكونها الابتكار الإنسانی الأكبر الذی أضحى بفضله للعالم والأشیاء والمفاهیم والتصورات والعواطف تاریخٌ كلیٌّ یدل على القیمة المشتركة، أو التی یفترض أن تكون مشتركة، داخل التجارب الإنسانیة المتنوعة التی یرتبط كل منها بتاریخ "وعی ذاتی كلی" أی وعی أمة ما، ولكنه مع ذلك یكافح لأنه یكون معنى كلیاً یربط بین تجارب الأمم المختلفة. إلى جانب هذا "التاریخ الكلی" یُوجَد وعی خاص بالأشیاء مرتبط بالتجارب الجزئیة والخاصة. لهذا "الوعی الذاتی الكلی" أو ذاك -أی وعی أمة ما- ما یجعل للأشیاء والتصورات والمفاهیم والعواطف قیما رمزیة مخصوصة ینفرد بها وعی أمة ما من الأمم.
أما "فعل الترجمة"، فیستمد شرعیته -بصورة ضمنیة- من الافتراض بأن هناك عناصر كلیة، أو شبه كلیة، مشتركة بین صوَر الوعی الذاتی الكلی التی تنتسب إلى الأمم المختلفة. غیر أن الممارسة الفعلیة للترجمة تكشف عن وجود عنصر الخصوصیة والتمایز، وهو ما ینفرد به كل وعی "ذاتی كلی" وعی هذه الأمة أو تلك. وما الصعوبات التی یواجهها المترجم فی التعبیر عن المعانی والتجارب والتصورات والعواطف التی ینطوی علیها نص معین بلغة محددة فی لغة أخرى إلا شاهدٌ على أن الترجمة إنما هی ضرب من التأرجح بین كونها "نقلاً" وكونها "تأویلاً".
لو صح أن هناك عناصر مشتركة فی التجارب الإنسانیة بین كل الأمم فی كل الحقب -لجاز الحدیث عن الترجمة بوصفها نقلاً. ولكن لمّا كانت الشواهد التی یمكن لنا أن نسوقها فی هذا الاتجاه هی أضعف من أن تذكر، فقد أصبح من الضروری والمنطقی الحدیث عن بُعد آخر فی الترجمة هو بعد "التأویل". وهذا یعنی أن أدق تعریف یمكن أن یقدم للترجمة یتمثل فی قولنا: إنها ترجمةُ ما یُفْتَرَضُ أن یكون كلیا إلى تجربة جزئیة أو خاصة هی تجربة الأمة التی یقوم المترجم بنقل النص الأصلی إلى لغتها. ولما كان النقل المطابق من لغة إلى أخرى ضرباً من المستحیل، فقد كانت الترجمة فی حقیقتها ضربا من التأویل یجب أَلاَّ یشیر فقط إلى معنى واحد هو إفقار للنص، ذلك لأن التأویل بالمعنى الدقیق یشیر أولاً وبالذات إلى كل ما من شأنه أن یدفع بالنص نحو العمق والغنى والانفتاح. فالتأویل الحقیقی إنما هو قراءة تتلمس الاتجاهات الباطنیة للنص فی تفاعلها مع قارئ بصیر، مما یسمح فی النهایة للترجمة بأن تكون نوعاً من السیر فی الاتجاهات الأساسیة للنص، غیر أنها اتجاهات كانت مطویة وخفیة قبل القراءة التی سمحت بترجمة النص أو بقراءته وتأویله.
وبهذا تكون "الترجمة" -بصرف النظر عن تصورنا التفصیلی لها- نشاطاً إنسانیاً "أمثلیا" یحیل جوهره إلى تجربة التواصل بین الأمم والشعوب مما یسمح بالقول عن الترجمة: إنها عنصر مقوم فی التجربة الإنسانیة لا یتطرق الشك إلى قیمته حتى لو افترضنا أن المستقبل أو الآخر یتقن اللغة التی كتب بها النص؛ لأن المستقبل سیظل فی تعامله مع النص الذی ینتمی إلى ثقافة مختلفة قارئاً أو مؤوِّلاً أو مترجماً حتى ولو قرأ النص بلغته الأصلیة.
وحتى داخل إطار الفضاء الواحد، فإن تجربة القراءة وما یرتبط بها من تأویل تظل جزءا لا یتجزأ من الفعل المنتج للثقافة. ذلك أن المقدرة على قراءة نص ما داخل الفضاء اللغوی والثقافی نفسه تتفاوت وتتباین بتفاوت الأفراد وتباینهم فی المقدرات والمواهب والإعداد المنهجی والعمق المعرفی، وهو ما یؤدی إلى ظهور القراءات المتعددة والتأویلات المتباینة وتمایز الرؤى وتعدد المداخل.
أما عندما یتم الانتقال بالنص من فضاء ثقافی إلى فضاء ثقافی آخر، فإن عملیات "التأویل" تصبح أشد جذریة وتعقیداً، لأنها غدت تعبّر عن قراءة ما، هی قراءة المترجم لنصٍّ كُتِبَ بلغة معینة عبر لغة أخرى لها خصوصیاتها اللغویة وتاریخها الثقافی الخاص الذی یخلع علیها شخصیة وعبقریة تَخُصَّانِهَا، الأمر الذی یجعل نقل النص من لغة إلى أخرى فعلاً لا یمكن تصوره بمعزل القراءة والتأویل بصفة عامة. ولعل هذا الارتباط الوثیق بین الترجمة من ناحیة وقراءة النصوص وتأویلها من ناحیة أخرى هو ما جعل الكثیرین لا یعترفون بأن الترجمة "ممكنة والكثیر مِنْ هؤلاء من یستنكرون ممارستها. وأشد ما یكون الاستنكار وعدم الاعتراف عندما یتعلق الأمر بترجمة بعض الأنماط النصیة مثل لغة الكتب المقدسة ولغة الشعر"(1).
ومن غیر شك فإن الترجمة "قدیمة قدم المجتمعات البشریة حیث كانت ولا تزال وسیلة الاتصال والتفاهم بین كل جماعة تتكلم بلسان ما والجماعات الأخرى التی تتكلم بألسنة أخرى. ودواعی الاتصال والتفاهم كثیرة، منها ما یتعلق بشؤون التبادل السیاسی والتجاری والفكری أیام السلم، ومنها ما یتصل بشؤون النزاع والقتال ثم ما یتبعها من تفاوض أیام الحرب"(2). ومن الممكن القول عن الترجمة أیضاً: إنها "نقل من لغة إلى لغة أخرى، وهی من هذا المنطلق تفترض معرفة باللغة التی ننقل منها وباللغة التی ننقل إلیها وتفترض معرفة بالمحیط الثقافی لكل لغة"(3). كما یمكن النظر إلى الترجمة على أنها (نقل الكلام من لغة إلى أخرى... أو هی إیصال فكرة أو تبلیغها أو تحویل التبلیغ إلى لغة أخرى وإعطاؤه شكلاً مكتوباً أو مسموعاً، أو وضع صیغة مطابقة لصیغة فی لغة النقل)(4).
ومع ذلك یظل من الممكن النظر إلى الترجمة من زوایا متعددة تبنی لنا تكامل النظرة إلیها لا تناقضها. فهی تدل عند بعضهم على "ظاهرة امتزاج بین اللغات مرتبطة بخاصیة ازدواج اللغة لدى المترجم, وتكشف عن التداخلات الدارجة بین اللغات", وهی عند آخرین "عملیة تأویل أو إعادة تلفظ بنقل رموز وقوالب لغة إلى لغة أخرى". أو هی "عملیة اتصال وحوار یتم بها التفاعل بین المجتمعات المختلفة الألسن", أو هی أیضا "وصف لطبیعة التطابقات وشروط تحقیقها بین لغتین", وقد تعرف أیضا بأنها "نشاط كلامی ذهنی یساعد على معرفة الضوابط التی تحكم فكر المترجم فی أثناء انتقاله من شكل النص الأولى ومضمونه إلى المضمون الجدید وشكله الفنی"(5). ومن ذلك كله یتضح أن الترجمة -والترجمة الثقافیة بخاصة- تعبر عن "عملیة تواصل وتفاعل حضاری وفكری بین عالمین مختلفین تماماً بكل ما تعنیه الكلمة من غربة واغتراب، ومن نتائجها عادة إزالة هذا الشعور والعمل على استیعاب الأفكار, وكافة الجوانب الأنثروبولوجیة من عادات وتقالید مغایرة مما یؤدی إلى التفاعل والتنمیة بالإضافة أو الطرح(6).
فجوهر الترجمة بناء على ذلك قائم فیما تتیحه من تواصل بین ثقافتین وبین عالمین یؤثر أحدهما فی الآخر. غیر أن هذا التأثیر لیس له أن یتحقق إلا من خلال عمل المترجم، الأمر الذی یدعونا إلى التفكیر فی ماهیة هذه العملیة وفی كیفیة إنجازها وفی حدود هذا الإنجاز. ویبدو أنه لا توجد ترجمة بمعنى النقل الحرفی أو الدقیق من لغة إلى أخرى أو من ثقافة إلى أخرى، وإنما من طبیعة هذا النقل أن یكون نوعاً من القراءة والتأویل ینهض بعبئه المترجم فی أثناء عملیة التفاعل التی قد یطلق علیها بعضهم اسم "النقل". ومن شأن هذا كله أن یكشف لنا عن الدور الأساسی لثقافة المترجم التی تعبر عن نفسه آخر الأمر فی مقدرته المتمیزة على التأویل.
وبوسعنا أن نمیز فی الترجمة بین قسمین كبیرین:
الترجمة الأدبیة والترجمة غیر الأدبیة. أما الترجمة الأدبیة فـ "تتعامل مع نص یقوم على قیم جمالیة. والنص الأدبی ظاهرة جمالیة قائمة بذاتها، وعمل إبداعی متكامل وتولیفةٌ لا یمكن فصل خیط من خیوط نسیجها, ومن هنا فإن ترجمة العمل الأدبی عملیة تفاعل إبداعی فی إطار له ضوابطه الخاصة"(7).
وأما الترجمة غیر الأدبیة أو الترجمة العلمیة فلا تواجهها على وجه العموم صعوبات كتلك التی تواجه الترجمة الأدبیة التی یعدّ الجمال أهم عناصرها المقومة. ولما كانت الموضوعات التی تتناولها الترجمة غیر الأدبیة أو العلمیة كالتجارة والزراعة والسیاحة والعلوم التطبیقیة, وحتى النظریة منها قابلة للترجمة الدقیقة- فإن العلماء فی هذه المیادین "یتناولون ببحوثهم موضوعات لیست مقصورة على بیئة دون أخرى... وهناك وسائل عملیة تمكن من إتقان هذا اللون من الترجمة وتمكّن من تعلیمه"(8). ولعل من أهم الفروق بین الترجمة الأدبیة أو الجمالیة والترجمة العلمیة والتطبیقیة أن بوسع المترجم اختیار أی نص أدبی بصرف النظر عن الزمان الذی كُتب فیه والثقافة التی ینتمی إلیها، بینما لا یستطیع المترجم فی میدان العلم إذا كان یرید لما ترجمه أن یكون واقعا خارج تاریخ العلم -إلا أن یختار نصوصاً أو أبحاثاً تتعلق بأحدث المنجزات العلمیة هذه المنجزات التی هی بطبیعتها- وخاصة فی عصرنا- أنها سرعان ما یتم تجاوزها من جانب الأبحاث الجدیدة التی تظهر باستمرار. ولذلك فإن هناك من یرى "أن تترجم البحوث والدراسات العلمیة، لا الكتب والمؤلفات فحسب؛ لأن هذه البحوث والدراسات تمثل الجدید فی میدان العلم, وتحمل أفكار العلماء وآراءهم وتجاربهم وخبراتهم... بصورة مستخلصات یعدّها متخصصون وتُنشر بالعربیة فی دوریات علمیة عامة ومتخصصــة."(9). ومعنى ذلك أن جوهر الترجمة قائم أساساً فی صمیم الترجمة الأدبیة والجمالیة ولیس فی الترجمة العلمیة ولیس فی التعریب أیضاً ولو بصورة جزئیة. على أن هذا لا یعنی أن التعریب والترجمة العلمیة منقطعة الصلة تماماً بماهیة الترجمة. ذلك أن من شأن الاطلاع علیهما والوقوف على مشكلاتهما أن یزید المترجم بصیرة فی طبیعة المشكلات الخاصة بالترجمة.
ولو عدنا إلى ماهیة الترجمة من حیث هی عملیة فنیة, وجمالیة, وإبداعیة، لقلنا: إنها تتكون من ستة عناصر أساسیة متكاملة ومترابطة بحیث لا یمكن فصل الواحد منها عن الآخر لأنها بمجموعها هی التی تسمح بتحول النص من لغته الأصلیة إلى اللغة التی یترجم إلیها، مع بقائه محتفظاً بالشیء الكثیر من قیمته الفنیة والجمالیة. وهذه العناصر على التوالی:
1- اللغة - المصدر.
2- النص - المصدر.
3- المترجم.
4- النص المترجم.
5- لغة الترجمة.
6- اللغة المستقبلة.
واللغة -المصدر، هی اللغة التی یقع اختیار المترجم على أحد نصوصها لترجمته إلى لغة أخرى مستنداً فی اختیاره لهذا النص إلى مسوغات هو وحده المسؤول عن تبریرها, والدفاع عنها بقصد إقناع المتلقین بقیمة النص, وأهمیة نقله من لغة المصدر إلى اللغة المستقبلة. وعلى ذلك فإن اللغة - المصدر هی: "اللغة التی ینتمی إلیها النص المراد ترجمته، وهی تجرید ناتج عن دراسة نصوص تلك اللغة، ولا علاقة لها بالترجمة أصلاً فاللغة المصدر سابقة للترجمة، ودراستها سابقة لدراسة لغة الترجمة. فاللغة - المصدر موجودة بشكل مستقل تماماً عن ظاهرة الترجمة، وتـُدرس أیضا باستقلال تام عنها"(10).
أما النص -المصدر، فهو الجزء الذی وقع علیه اختیار المترجم من اللغة -المصدر من أجل نقله إلى لغة أخرى. وبوسعنا القول على وجه الإجمال: إنه إذا كانت "اللغة- المصدر" هی الأرضیة التی تنطلق منها الترجمة, والمرجع الأساسی فی الحكم على ما ینتجه المترجم- فإن "النص-المصدر" هو النقطة المركزیة المحددة للبدء فی عملیة الترجمة كما أن الرجوع إلى هذه النقطة -رجوعاً حرفیاً- هو رجوع إلى النص فی تركیبه ومعناه، فی حین یكون الرجوع إلى اللغة المصدر رجوعاً إلى قواعدها وقوانینها العامة، هذه القواعد التی لا یمكن الاستغناء عنها من أجل فهم "النص- المصدر". ویشكل فهم "النص- المصدر" أول خطوة یقوم بها المترجم فی عملیة "الترجمة"(11).
وفیما یتعلق بالنص المترجم، فهو المادة اللغویة التی بوسعنا دراستها للوقوف على قیمة عمل المترجم، وهو ما لا یتأت لنا القیام به إلا بمضاهاة "النص- المصدر" المستمد من "اللغة- المصدر" بـ "النص المترجم" الذی تم نقله إلى لغة مستقبلة. وعلى ذلك یمكننا القول: إذا كانت نقطة البدء فی عملیة الترجمة هی "النص- المصدر"، فإن النص المترجم هو المادة اللغویة الفعلیة. والمحدودة الناتجة عن عملیة الترجمة، فالنص المترجم هو مادة لغویة أنتجت فعلا كجزء من عملیة الترجمة "نص- مصدر"... لهذا یفترض "النص المترجم" أسبقیة "لغة المصدر" و "نص مصدر"، و"مترجم"(12).
وأما أشد العناصر أهمیة هی تلك التی نلتقی بها عند تحول "النص المصدر" إلى "نص مترجم"، فیتمثل فی كون النص المترجم قد أصبح موجهاً إلى متلقین آخرین لم یكن "النص- المصدر" موجهاً إلیهم أصلا. وذلك راجع إلى الانتقال اللغوی من لغة إلى أخرى، وهو ما نجم عن ترجمة النص المصدر من اللغة المصدر إلى لغة مستقبلة هی لغة الترجمة. وعلى ذلك فإنه "بینما یكون النص المصدر موجهاً إلى مجموعة معینة ذات لغة محددة- ینقل النص المترجم هذا التوجه ویخاطب متلقین أو قراء أو مستمعین جددا غیر المقصودین بالنص المصدر وبلغة غیر لغته"(13).
وأما اللغة المستقبلة فهی المادة اللغویة التی أنتجتها الترجمة نتیجة لتحول نص مصدر من "لغة مصدر" إلى "نص مترجم" فی لغة أخرى هی اللغة المستقبلة. ولا بد لهذا النص المترجم حتى یتذوقه الناطقون باللغة المستقبلة من أن یصاغ "النص المترجم" باستخدام المنظومة اللغویة "للغة المستقبلة" بنحوها, ومفرداتها, وتراكیبها, المألوفة...إلخ، ویحاول أن یقترب من المعاییر المألوفة أو الشائعة فیها. وكما هو الآن بالنسبة للغة المصدر، فاللغة المستقبلة هی لغة أصیلة لها وجودها, ونصوصها, وتاریخها, بغض النظر عن طبیعة الترجمة(14).
وأخیراً فإن المترجم هو أهم العناصر فی عملیة الترجمة بأكملها. فهو الشخص الذی تلتقی فی جهوده جمیع العوامل الأساسیة لعملیة الترجمة. وفی الحقیقة "فإن دراسة الترجمة، ولغة الترجمة هی دراسة ما لدى المترجم من قدرة لغویة، وما ینتجه فعلاً من نصوص مترجمة. فعند المترجِم تتوفر المعرفة اللازمة للغتین أو أكثر، وعنده المهارة فی النقل بین اللغات، وهو المفسر للنص المترجم، وتفسیره یحدد طبیعة المعنى الذی یترجمه ویقرؤه القراء بلغة غیر لغة النص المصدر"(15).
ومن كل ما تقدم یتبین أن وظیفة المترجم لا تقف عند حد نقل مادة لغویة إلى مادة لغویة أخرى، بل إن جوهر وظیفته كامن فی أن المترجم "هو المؤول بالمعنى الهیرمیونیطیقی: ویجب تحدید هذه الوظیفة للمترجم بالمعنى الضیق للمدرسة التفسیریة الهیرمیونیطیقیة... فالوظیفة التفسیریة موجودة نظریاًّ على الأقل فی جمیع أنواع الترجمة"(16). فلعمل المترجِم أهمیة قصوى تتجاوز كونه ینقل نصاًّ من لغة إلى أخرى؛ لأنه فی الحقیقة من خلال هذا النقل ینهض بوظیفة التأویل لما یترجم من نصوص. والتأویل ثمرة للقراءة التی تعطی النص معناه فی إطار ترجمته إلى لغة مستقبلة.
وعلى ذلك یمكننا أن نقول عن المترجم: إنه مؤلف ثانٍ ولیس مجرد ناقل. وما یبرر ذلك هو الاختیار الأولى للنص الذی هو من عمل المترجم على وجه الحصر، ولكونه قارئاً لما اختار من النصوص، وبذلك لا یخرج العمل المترجَم إلى مستقبله إلا بعد أن یكون مؤوَّلا: أی أن ذات المترجم تنجز عملیة مثلثة فهی تستسلم لانفتاح النص، وكل نص حقیقی یمتاز بالانفتاح اللامحمود على قارئه، ومن جهة أخرى فإن مقاصد الذات التی اختارت النص من حیث المبدأ كی تترجمه تحاول أن تهتدی إلى ذاتها فی صمیم النص المصدر. ثالثاً وأخیرا: فإن التعبیر عن المادة اللغویة ذاتها بلغة أخرى یفرض على المادة الأصلیة نوعاً من التحول الناجم عن ماهیة اللغة الثانیة التی تنفرد بنظام لغوی فرید لا بد له من التأثیر فی طبیعة المادة نفسها التی یتم التعبیر عنها بهذه اللغة الجدیدة. وینبغی ألا یفهم أحد من ذلك أن من حق المترجم التصرف فی معنى النص الأصلی حسبما یرید، أو أن یُزَوِّرَ المعنى الذی ینطوی علیه النص، بل على العكس من ذلك تماماً إذ یتعین على المترجم "المحافظة على هذا المعنى، ولكن بما أنه یجب أن یفهم فی عالم لغة أخرى- وجب أن یؤدی فیها بطریقة مختلفة. فلهذا السبب فإن كل ترجمة تفسیر، بل إن بإمكاننا القول: إنها دائماً اكتمال التفسیر الذی أضفاه المترجم على الكلمة التی عرضت علیه"(17). على أن اكتمال التفسیر هذا لا یعنی أبداً نوعاً من التكرار الذی یقلد المترجم فیه السیاق النفسانی للمؤلف صاحب النص الأصلی، بل یشیر اكتمال التفسیر ههنا إلى أن هناك ضروباً من التفاعل الخلاّق بین المترجم والنصّ توفرها للمترجم قراءته المعمقة للنص. ولعل هذا ما یفسر لنا إخفاق الترجَمات التی تتوخى أن تنتج لنا نسخة حرفیة عن النص، فیغیب منها نتیجة ذلك كل آثار البصیرة التی یجب على المترجم أن یستنیر بها فی قراءته للنصوص وترجمتها. ولذا یرى بعضهم أن الترجمة "لیست مجرد انبعاث للسیاق النفسانی الأصلی لصیاغته، لكنها إعادة خلق للنص توجهها عملیة فهم ما قیل فیه حتى لو نجح المترجم فی جعل حیاة المؤلف وعواطفه وكأنها نابعة منه"(18).
ثمة أمور أكثر أهمیة فی إنتاج النص المترجم یتعین مواجهتها, وعنصر التفسیر أو التأویل -وإن كان ثمة فوارق ضئیلة فیما بینهما- یسمح لنا بالقول عن الترجمة بأنها إضاءة- إضافة، وعلى كل مترجم أن یأخذ على عاتقه هذه الإضاءة. كذلك من البدهیّ أنه لا یسعه أن یترك شیئاً معلقاً مما یبدو له غامضاً. إن علیه أن یكشف اللون لأن هناك حالات قصوى یتضمن فیها النص الأصلی شیئاً ما غامضاً. حتى بالنسبة للقارئ الأصلی. ولكن حالات التأویل القصوى هذه هی بالضبط التی یبدو فیها بوضوح الإكراه الذی یتعرض له المترجم. وعلیه ههنا أن یذعن، أن یقول بوضوح، كیف نفهم. ولكن طالما تعذر علیه تقدیم تعبیر حقیقی عن جمیع أبعاد نصه، فهذا یعنی بالنسبة إلیه تنازلاً مستمراً(19). وبمقتضى ذلك تكون الترجمة فی حقیقتها إضاءة وإضافة, واختراقاً للغموض الذی یكون مخالطاً للنص الأصلی، ولیس بوسع المترجم أن یترك أمراً معلقاً إذ لابد له من قول شیء یجعلنا نفهم. وما یقولـه فی الحقیقة هو تأویل المترجم أو قراءته. ومن الأمثلة الكلاسیكیة على عودة القراء الأصلیین إلى الترجمة -من أجل مقاربة النص واختراق نقاطه الغامضة- كتاب (علم المنطق) للفیلسوف الألمانی (هیغل). إذ لا یسع القارئ الألمانی الجاد إذا ما شرَع فی قراءة هذا النص الهیغلی المشكل إلا أن یضع الترجمة الإنجلیزیة لهذا النص على یمینه، بینما تكون الترجمة الفرنسیة على شماله، حتى یقف على القراءات المختلفة لهذا النص فی غیر لغة وترجمة. فإذا ما علمنا أن لهذا الكتاب ترجمتین إنجلیزیتین وترجمة فرنسیة واحدة على حدّ علمنا تبینت لنا أهمیة القراءة الجادة التی تنتج ترجمة لا یمكن إلا أن تكون مستندة إلى نوع من التفسیر أو التأویل ولذلك جاز للقائل عن المترجم أن یقول: "وحده المترجم الذی یحمل إلى اللغة الشیء الذی یبرزه النص، أی یجد لغة لا تكون لغته وحسب، بل لغة ملائمة للنص الأصلی، وحده یستطیع فعلاً إعادة الخلق، فمهمة إعادة الخلق، أی مهمة المترجم، لا تختلف نوعیاًّ عن المهمة التأویلیة العامة التی یطرحها أی نص آخر، فلیس ثمة فرق إلا فی الدرجة"(20).
وعلى ذلك فالترجمة لا تنفصل عن عملیة التأویل؛ لأنها ثمرة للقراءة أصلاً. ولیس من معنى لكوننا نقرأ إلا أننا "ننتج خطاباً جدیداً، ونربطه بالنص المقروء، هذا الارتباط بین الخطاب القارئ وبین الخطاب المقروء -داخل التكوین الذاتی للنص ذاته- قدرة أصیلة على استعادة الخطاب لذاته بشكل متجدد، وهی التی تعطی خاصیته المفتوحة على الدوام: والتـأویل هو النهایة الفعلیة لهذا الارتباط بین خطاب وآخر وهذه الاستعادة المتجددة"(21). ومن ذلك یتبین أن الترجمة تنتج خطاباً ناجماً عن قراءة المترجم للنص الأصلی. وتبلغ هذه القراءة منتهاها عندما تتحول إلى تأویل، أی إلى نص أو قول أو خطاب یمتلك مقوماته الخاصة تماماً. وهذا یعنی أن بوسع أی قارئ أن ینتج نصاً جدیداً ابتداء منه. ولم یكن ذلك بالأمر الممكن إلا لأن القراءة الجدیدة قد حققت من الفاعلیة القدر الذی یكفی لكی تتحول إلى نص أو خطاب.
ولیس ثمة شك فی أن تأویل النص الذی أنتج خطاباً جدیداً أو نصاًّ جدیداً لا یمكن تصوره منفصلاً عن تأویل الذات لذاتها، ذلك أن النص یوفر فرصة للذات لتتعمق تعرفها على نفسها، مثلما أن الذات أیضاً بوسعها أن تفیض من لدن ذاتها على النص إشعاعات لم یكن من السهل اكتشافها فیه لولا فاعلیة الذات وفعلها داخل هذا النص المفتوح. فاكتمال تعقل النص لا یمكن له أن یقع خارج تعقل الذات لذاتها داخل النص ذاته بشكل أحسن ومغایر وتبدأ فی تحقیق ذلك الفهم الذاتی"(22). فلیس النص من منظور الذات إلا مناسبة تسمح لها بإنتاج الخطاب، أو هو بعبارة أخرى مناسبة كی تحقق الذات عبره مزیداً من الوعی الذاتی بذاتها فی آخریة هی فی صمیمها وعی ذاتی آخر، هو صاحب الخطاب أو النص، وهذه هی حقیقة الترجمة على الأصالة وبصورة فعلیة. ولئن دل كل ما تقدم على شیء، فإنما یدل على أن الترجمة هی واحدة من بین أهم السبل التی یفزع إلیها الوعی الذاتی الإنسانی -الفردی والجماعی- بقصد تحقیق التواصل بینه وبین الوعی الذاتی الآخر. وهذا ما یسمح لنا بالقول عن الترجمة، التی هی فی حقیقتها "تأویل" بأنها تضطلع بعملیة تحویل "ذلك الغریب المتباعد إلى شیء خاص بالذات, ومتملك لدیها"(23).
وعلى ذلك، فلو شاء المرء أن یتحدث عن ماهیة الترجمة مجملاً -لأمكن له أن یقرر بأنها "نمط أمثلی" من أنماط التواصل بین الأفراد والجماعات, والثقافات, والحضارات، وأن من شأنها أن توطد الحوار بین الأفراد, وبین المجتمعات الإنسانیة. ومن شأن التفاعل الذی تولده أن ینتهی إلى إنتاج بؤرة مشتركة قابلة للتوسع والنمو بحیث یمكن لها أن تشارك فی خلق الظروف التی من شأنها أن تعمق الاتصال, وأن تخلق دائرة من القیم المشتركة، وهو ما من شأنه إنتاج مزید من التقارب بین الأفكار والقیم, وأسالیب الحیاة التی تیسر سُبل التعایش بین الثقافات المختلفة، أو التی قد تتیح الحد من التوتر والعنف بین الثقافات, والحضارات التی ینتجها بنو البشر. ذلكم هو رأی الذین ینظرون إلى قضیة الترجمة, وغیرها من القضایا المرتبطة بمشكلات التواصل بین المجتمعات البشریة, والثقافات الإنسانیة نظرة انفتاح بعیدة عن التعصب القومی, والدینی, والعرقی، بل أی شكل آخر من أشكال التعصب.
*************
الحواشی
*) كاتب وأكادیمی من سوریة.
1- عمر شیخ الشباب: التأویل ولغة الترجمة، دار الهجرة، بیروت 1989م، ص9.
2- شحادة الخوری: الترجمة قدیما وحدیثا، دار المعارف سوسه، تونس ب ت ص33.
3- د. مصطفى ماهر: الترجمة والتنمیة الثقافیة، ندوة الترجمة والتنمیة الثقافیة بإشراف لمعی المطیعی. الهیئة المصریة العامة للكتاب، القاهرة 1992م، ص1-3.
4- علی بن إبراهیم النملة: مراكز الترجمة القدیمة عند المسلمین، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنیة الریاض 1992م، ص82-83.
5- محمد حلمی هلیل: المترجم العربی والمصطلح الفنی، ندوة الترجمة والتنمیة الثقافیة- بإشراف لمعی المطیعی، مرجع مذكور سابقاً، ص101-102.
6- المرجع نفسه: ص103.
7- د. مصطفى ماهر: مرجع مذكور سابقا، ص14-15.
8- المرجع نفسه: ص15-17.
9- شحادة الخوری: مرجع مذكور سابقاً، ص94.
10- عمر شیخ الشباب: مرجع مذكور سابقا، ص19.
11- المرجع نفسه: ص22.
12- المرجع نفسه: ص26.
13- المرجع نفسه: ص25-26.
14- المرجع نفسه: ص31.
15- المرجع نفسه: ص22-23.
16- المرجع نفسه: ص23-24.
17- هانس جورج غدامیر: نص من كتاب الحقیقة والمنهج ترجمة آمال أبی سلیمان، مجلة العرب والفكر العالمی العدد الثالث، صیف 1988م، بیروت، ص20-12.
18- المصدر نفسه: ص22.
19- المرجع نفسه: ص22.
20- المرجع نفسه: ص22-23.
21- بول ریكور: النص والتأویل - ترجمة منصف عبد الحق مجلة العرب والفكر العالمی العدد الثالث، بیروت 1988م، ص47.
22- المصدر نفسه: ص47.
23- المصدر نفسه: ص48.